كيف أسر دينامو تبيليسي مشجعي كرة القدم البريطانيين في خضم الحرب الباردة

كيف أسر دينامو تبيليسي مشجعي كرة القدم البريطانيين في خضم الحرب الباردة

لازالت الجزر الباردة المنعزلة عن أوروبا بفرقها “ليفربول ووست هام” يطبعون مع أسوار العزلة التي اكتسبوها طبقا للطبيعة الجغرافية في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، ولكن هناك حالة نادرة الحدوث، حين قفز فريق من جورجيا التابعة للاتحاد السوفيتي على أسوار الشيوعية والحرب الباردة وذهب لـ آسر قلوب البريطانيين.

في العقود التي سبقت ظهور التغطية التلفزيونية الشاملة لكرة القدم الأوروبية في إرهاصات ما قبل سكاي سبورتس وتغريدات جاري لينيكر، لم يكن يُعرف سوى القليل عن الأندية الباقعة بعيدا عن القارة وعن بؤر المستعمرين الأوروبيين أيضا في إفريقيا وآسيا، كان يمكنك أن تعلم معلومات غزيرة عن دوريات شمال وغرب أفريقيا وأهم اللاعبين في تغطيات مجلة France Football و L’Onze نظرا لتغطية تلك الدول الناطقة بالفرنسية.

ولكن في الوقت ذاته لا تعرف كيف يجري الأمر في دولة الاتحاد السوفيتي المنغلقة على نفسها. كان التعرض عابرًا، وعادةً ما كان يأتي في شكل حزم إخبارية لا تتعدى ثوان في نشرات الأخبار أو بقلم بريان جلانفيل في أجندة الأسبوع بمجلة World Soccer لذا عندما انتقل الجورجيون ممثلو فريق دينامو تبيليسي إلى الأراضي البريطانية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، جاءت جودتهم غير العادية على شكل أمور غامضة وغريبة كمثيل اللون الأزرق لون قميص الفريق.

بدأت الأسئلة تنشط في عقول المشجعين حين زار دينامو تبيليسي بريطانيا لأول مرة لمواجهة ليفربول في كأس الأندية الأوروبية بطلة الدوري، من هم هؤلاء اللاعبين المميزين في كرة القدم، وماذا صنع من المختبر الرياضي السوفييتي الشرير بعيدا عن المختبرات النووية؟ لماذا لا يبتسم هؤلاء اللاعبين أكثر عندما يكونون في يومهم ويحققون الانتصارات في كرة القدم؟ وهل يمكن للشيوعية أن تكون أمراً سيئاً إذا كانت تنتج رياضيين مثل هؤلاء؟

سبق السيف العزل ليفربول حين خرج من أنفليد بنتيجة هزيلة عام 1979، حين فاز على ممثل السوفيت المجهول بهدفين مقابل هدف فقط في لقاء سيطر عليه الشيوعيين طولا وعرضا، قبل أن يذهب الوضع بشكل مأساوي، حين انكسر الفريق الأحمر صاحب الخبرة العريقة في المسابقات الأوروبية بثلاثية نظيفة بملعب دينامو لينين الوطني في لقاء سيطرت عليه أهازيج الجماهير عدوة الرأسمالية وتحفظ الكنيسة الإنجيلية ببريطانيا، الوطن والحفاظ على الأرض والانتماء والولاء وما إلى أخره من مصطلحات آخذة كانت أسس من أجل تعميق العلاقة بين الجماهير وناديهم المسمى “بالكيان”.

كانت رياح المصطلحات الشيوعية التي تنحي الفرد على حساب الوطن تكسر شراعات السفن الإنجليزية الشهيرة من صنع ميناء ليفربول، فيما يبدو أن الرجال القوقازيين يملكون علاقة أعمق بناديهم عن هؤلاء الأفراد الإنجليز.

كان فريق دينامو تيبليسي في تلك الفترة هو فريق أممي بالفطرة، المجموعة التي لعبت سبعينات وثمانينات القرن الماضي للفريق الأزرق كانت خير ممثل لدولة حين تفككت أخرجت اثنا عشر دولة منفصلة، فـ الفريق جورجي الأصل جمع بين التمريرات السريعة والقصيرة المميزة لنصف الأمة الأول من روسيا وأوكرانيا، وكذلك جمع لاعبين يستطيعون التعبير عن الذات بمهاراتهم الفردية والمراوغة كما هو الحال المميز لكرة جورجيا وأرمينيا.

جاءت تجربة تبيليسي الإنجليزية التالية ضد ويست هام في ربع نهائي كأس الكؤوس الأوروبية في عام 1981. تحولت مباراة الذهاب في ملعب بولين جراوند إلى ذروتها من كرة القدم مرنة وحادة من قبل الزوار عما تألفه الكرة الإنجليزية، حيث قضى لاعبو ويست هام الكثير من الوقت هذا المساء في مطاردة الظلال البيضاء التي خلفها لاعبي تيبليسي من سرعة المرور وتناقل الكرة بينما كانوا يحاولون زيادة النتيجة على اللوحة الإلكترونية للاستاد.

هزم ويست هام بنتيجة مفجعة على أرضه برباعية مقابل هدف. بدأ الممر نحو الهزيمة يرسم أمام أعين اللاعبين مع هدف تيبليسي الافتتاحي في الدقيقة 24 بعد سلسلة من التمريرات السريعة بلمسة واحدة، حيث وضع “تشيزفيد” ضربة قاضية في الشباك الإنجليزية، ثم توالت الأهداف الاثنين الباقيين للاعبي دينامو بعد تقليص وستهام للفارق بشكل استأسر تصفيق حاد من مشجعي الفريق اللندني لأبناء ملعب دينامو لينين أحد رموز الشيوعية بجورجيا.

لم يصل الفريق الجورجي إلى هذا الحد من مئات الكلمات عن الثناء من مشجعي الكرة الإنجليزية، سنضطر الآن إلى التنازل عن الاعتراف بأن علاقة الحب الطويلة هذه ربما نشأت من مشجعي كرة القدم البريطانيين.

بدا الفريق ليحجز أفضل أداء له في المباريات ضد خصومه أصحاب اللغة الإنجليزية والطرق العقيمة kick and run لكن سجل تبليسي الأوسع في المسابقة الأوروبية خلال هذه السنوات ما قبل 1979 غير ملحوظ، فعلى سبيل المثال، كان الفريق قبل هذه النتائج بعامين يتعرض لواحدة من أبرز هزائمه على يد جراسهوبرز زيوريخ في كأس الاتحاد الأوروبي 1977-78. ثم كانت هناك مخارج أوروبية صعبة أدت للإقصاء أمام هيرتا برلين وهامبورج وستاندرد لييج.

حتى أن لحظتهم الحاسمة حين نجحوا في الحصول كأس الكؤوس الأوروبية عام 1981، جاءت بعد أقسى مواجهة في المراحل النهائية ضد أحد فرق ألمانيا الشرقية المتواضعة كرويا متمثلا في فريق كارل زايس جينا. إلا بعد مرور عقود قضاها الفريق خارج التباري أوروبيا، كان من الجميل رؤية تبليسي مرة أخرى في دائرة الضوء، عندما استضافت مباراة كأس السوبر الأوروبي 2015 بين برشلونة وإشبيلية.

من المسلم به أن المدينة وخصوصا ملعب دينامو لينين الحديث كانا محور الحديث يوما ما بالكرة الأوروبية عن مدى صعوبة الأجواء، ولكن توفير مكان مناسب لأندية النخبة في إسبانيا للقيام بالمعركة بين إقليمي كتالونيا والأندلس القديم هو أقرب ما يكون إلى تجسيد لشخصية تبليسي في الوقت نفسه الذي تواجه في القديم بصراعات الأجندة الشيوعية للاتحاد السوفيتي أمام فرق رأس المال، ثم مواجهة داخلية أخرى حينما قرر تبليسي نفسه الانسحاب من الدوري السوفيتي من أجل إعلاء مطالب جورجيا من أجل الانفصال، على الرغم من كون النادي محببا لقلوب الحزب الشيوعي الحاكم وجيش الدفاع السوفيتي منذ ستينات القرن العشرين وحتى ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بخمس أعوام.

ما بعد الاتحاد السوفيتي عاش الفريق الجورجي أياما عصيبة كنظيره دينامو برلين من ألمانيا الشرقية، انحدر الفريق تماما أوروبيا تحديدا وحتى شعبيته الجارفة على الأراضي الإنجليزية أصبحت محل النسيان وحان ليواجه حكم المشجعين الجدد الذي رأوه منافسا متواضعا يخسر من توتنهام بثمانية أهداف مقابل لا شيء في مجموع لقائي وايت هارت لين ودينامو لينين عام 2013 بكأس الاتحاد الأوروبي.

هزيمتان محت تاريخ الفريق الجورجي وأثبتت أن وجوده من جديد الأن على المحك. كان جيل الآباء يملكون الحجج وطرق التفنيد من أجل مناقشة قضية مقنعة بأن الشيوعية السوفييتية كانت تمثل مستقبلاً مشرقاً وقد يكون مثيرًا جدًا لهم أن يستلهم عليهم الإعجاب بالتجارب السوفييتية ليس فقط على مجال الاقتصاد والإنسان وعلاقته بالدولة بل أيضا على مستوى كرة القدم، فإن لاعبي كرة القدم السوفييت وخصوصا فترة الثمانينات قد حصلوا على دعاية أوروبية أوصلت الأوكراني إيجور بلاينوف لجائزة أفضل لاعب في العالم عام 1986. الاعتقاد الذي لا يتزعزع بأنه بين 1978 و1981، كان دينامو تبيليسي أقرب فريق في الجماعية القاتلة التي شهدتها اللعبة أوروبيا منذ عهد أياكس بسبعينات القرن العشرين وكذلك تجربتي أرسنال وبرشلونة في الألفية الثالثة.

اقرأ أيضا:

أزمة في ملعبي الأهلي والإسماعيلي لو تواجها إفريقيا؟ عامر حسين يكشف عبر في الجول

حصاد 2018 – اختر أفضل 11 في الدوري.. من تضمه لفريقك؟

عبد الحفيظ لـ في الجول: لاسارتي يُقيم العناصر المرشحة للانضمام لـ الأهلي

حصاد 2018 – بلال يختار لـ الأفضل.. مفاجأة أرجنتينية

مدرب الأهلي – ماذا تخبرنا “فوتبول مانجير” عن مارتين لاسارتي


Source link

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*